مهندس الحقيقة
06-29-2007, 02:56 AM
أصدر رئيس قسم الحديث بكلّيّة أصول الدّين بجامعة الأزهر فتوى تبيح للمرأة العاملة "بأن ترضع زميلها في العمل منعاً للخلوة المحرمة، إذا كان وجودهما في غرفة مغلقة لا يفتح بابها إلا بواسطة أحدهما". ثمّ اعتذر عنها مؤخّرا، ولكن يبدو أنّ هذا الاعتذار جاء نتيجة ضغط المؤسّسة الدّينيّة وبعض الفاعلين السّياسيّين، لأنّ صاحب الفتوى حرص في اعتذاره أن يقول للمسلمين ما مفاده أنّه ليس من أهل البدع، فهو قد اتّبع السّلف الذين يقولون برضاع الكبير، بما أنّه أصدر هذه الفتوى " نقلاً عن الأئمة ابن حزم وابن تيمية وابن القيم والشوكاني وأمين خطاب وما استخلصه من كلام ابن حجر.."
وبين إصدار الفتوى والاعتذار حدث هرج ومرج، وتفاوتت ردود الفعل بين الاستنكار والتّعجّب والضّحك، كما أثارت هذه الفتوى استيهامات جنسيّة عبّر عنها الكثير من المعلّقين ممّن منّوا أنفسهم برضاعة زميلاتهم في العمل، أو برضاعة نجمات الإغراء، وبعض هؤلاء لم يخف خيبة أمله بعد الاعتذار عن الفتوى، وعلى نحو لا يخلو من الفكاهة العابثة والمريرة في آن. فما الصّادم والمثير في هذه الفتوى، ولماذا أقامت الدّنيا وأقعدتها؟ هل يكمن المشكل في الفتوى وفي الهوس الدّينيّ أم الأمر أدهى وأمرّ؟
لا شكّ أنّ هذه الفتوى كانت فضيحة، فهي فتوى هذيانيّة مجنونة: كيف يمكن للذّات البشريّة أن تعود القهقرى إلى زمن ما قبل الفطام لكي تعيش فطاما جديدا؟ كيف يمكن تجنّب الشّهوة التي قد تثيرها الخلوة بحلّ من جنسها، أي بحلّ يزيد من إثارة الشّهوة والاستيهامات في مجتمعات ابتعدت رغم كلّ شيء عن المحرّم العتيق المرتبط بالرّضاع؟ كيف يمكن تصوّر مشاهد رضاعة الرّجال من زميلاتهنّ؟ وهل يحدّ من لامعقول الفتوى قول بعض المتفقّهين بضرورة احتلاب ثدي المرأة بدل التقام الرّجل إيّاه بصورة مباشرة؟ كيف يمكن لنظام التّحريم أن يصل في التّحريم حدّا يبيح فيه ما يريد تحريمه؟ كيف يمكن للمرأة العاملة أن تختزل في حيوان ثدييّ حلوب؟ ثمّ إذا كان القصد من الرّضاع تحريم المرأة عملا بمبدإ "يحرم بالرّضاع ما يحرم بالنّسب"، فلماذا يبيح المفتي الزّواج بين "الرّاضع والمرضوعة"؟ ألا تخلق هذه الفتوى في صورة تطبيقها وضعيّة ملتبسة باعثة على الجنون أو الانحراف؟
ألا تدلّ هذه الفتوى على أنّنا لم نفطم بعد في علاقتنا بالماضي وبالأصل؟ أليست مجازا معبّرا عن علاقة مسلمي اليوم بالأصل؟
لنتناول الفتوى من النّاحية الشّكليّة أوّلا، وبقطع النّظر عن قضايا الإعلام والإثارة والبيزنس الدّينيّ، فهي مسائل لست مؤهّلة للخوض فيها. صاحب الفتوى ليس مبدئيّا متطفّلا على الإفتاء، بل هو شيخ من شيوخ إحدى المؤسّسات الدّينيّة الكبرى في العالم الإسلاميّ، وهو مختصّ في الحديث ويجمع بين الوظيفتين الدّينيّة والوظيفة الأكاديميّة بما أنّه "دكتور"، ورئيس قسم. وفتواه ككلّ الفتاوى تقدّم حلاّ من الماضي لوضعيّة جديدة، والوضعيّة الجديدة التي يبدو أنّ الإسلاميّين ورجال الدّين الإسلاميّ لا يحتملونها ويعتبرونها مشكلا في حدّ ذاتها، هي الاختلاط بين الرّجال والنّساء في أماكن العمل.
هناك قوانين مدنيّة ومبادئ أخلاقيّة حديثة تقنّن العلاقات بين الجنسين في أماكن العمل، منها منع التّحرّش الجنسيّ، ومنها امتناع العقلاء من الرّجال من استعمال نفوذهم لاستغلال العاملات الضّعيفات الفقيرات أو لاستغلال من دونهم في المراتبيّة الإداريّة، ومنها الفصل بين الحياة المهنيّة والحياة الشّخصيّة. ولكنّ الفتوى تقدّم نفسها بديلا من الماضي عن الحلول التي ارتضتها الكثير من المجتمعات الحديثة. تُعرض هذه الفتوى من حيث هي فتوى عن المبادئ المدنيّة وعن آليّات مناهضة العنف ضدّ النّساء لتبحث في الماضي عن الحلّ المفترض للإشكال المفترض. وقد مارس صاحب الفتوى عمليّة الاجتهاد بالعودة إلى مصدر من مصادر التّشريع في الإسلام هو الحديث النّبويّ. بل إنّه عاد إلى مرويّات تنصّ عليها أمّهات الكتب، وأخذ بأحد المذهبين المتّصلين بمسألة تعدّ بابا تقليديّا من أبواب كتب الفقه والحديث هي مسألة "رضاع الكبير". فمن القدامى من يشترط وقوع الرّضاع قبل الفطام لتحليل الخلوة وتحريم النّكاح، وهناك من يقول بجواز رضاع الكبير، استنادا إلى حديث متواتر وارد في صحيح مسلم بروايات مختلفة: "عن عائشة رضي الله عنها أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيته ، فأتت ابنة سهيل النبي صلى الله عليه و سلّم فقالت : إنّ سالماً قد بلغ ما بلغ الرجال ، وعَقَل ما عقلوا ، و إنّه يدخل علينا و إني أظنّ أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً ، فقال لها النبي صلى الله عليه و سلّم : ’أرضعيه تحرمي عليه، و يذهب الذي في نفس أبي حذيفة’ فرجَعَت فقالت : إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة."
وما لم يقله صاحب الفتوى والمعترضون عليه هو وجود آية مفترضة تؤكّد جواز رضاع الكبير، ولكنّ هذه الآية، إضافة إلى آية رجم الزّاني قد أكلتها شاة دخلت تحت سرير الرّسول حسب الحديث الذي ترويه عائشة : " عن عائشة ، قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكله" (صحيح ابن ماجة، الحديث رقم 1580، وقد ذكره ابن حزم في "المحكم" ، وقال عنه إنّه حديث صحيح).
وإضافة إلى ذلك حاول هذا المفتي أن يعمل بشعار الجمع "بين الأصالة والمعاصرة" في شكل تطبيق الفتوى، بأن ابتدع شرط التّدوين، وهو ممّا تفترضه طبيعة العقود في الدّولة الحديثة التي ترتاب من الشّفاهة: فقد صرّح لـ"العربية.نت" أن "إرضاع الكبير يبيح الخلوة ولا يحرم الزّواج، وهو يكون خمس رضعات، وأن المرأة في العمل يمكنها أن تخلع الحجاب أو تكشف شعرها أمام من أرضعته،مطالباً توثيق هذا الإرضاع كتابة ورسميًا ويكتب في العقد أن فلانة أرضعتفلانًا."
ثمّ إنّ هذه الفتوى في انسجام تامّ مع مقرّرات الفقه الإسلاميّ ومقرّرات الفكر الأصوليّ الحديث في شأن العلاقات بين النّساء والرّجال وفي نقطة معيّنة هي افتراض نقص في المناعة لدى الرّجال والنّساء بحيث يكون الشّيطان ثالث الاثنين دائما وأبدا، وتكون المرأة مصدر إنتاج للفتنة، ويكون الرّجل ضحيّة سلبيّة للفتنة. وما ينتج عن هذا المفترض هو إيجاد الحاجز المادّيّ الواقعيّ بين الجنسين، لافتراض عدم كفاية الحاجز النّفسيّ الأخلاقيّ. فهذه الفتوى تكمّل كوكبة من الموانع المتعلّقة بجسد المرأة، هي الحجاب وعدم المصافحة وغضّ النّظر ومنع الخلوة. إنّها تأتي بحلّ من نفس القبيل، ولكنّه حلّ راديكاليّ يجعل المرأة بمثابة الأمّ المحرّمة بالنّسب، وإن بصفة ظرفيّة بما أنّ صاحب الفتوى ترك الباب مفتوحا أمام زوال المحرّم. الحجاب وبقيّة الموانع تحدث حاجزا مادّيّا وفتوى الرّضاع تحاول إنتاج حاجز رمزيّ يمرّ عبر الاتّصال الجسديّ المتمثّل في الرّضاع المتكرّر.
فهذه الفتوى "نموذجيّة" و"عاديّة" من حيث مرجعيّتها وآليّة الاستدلال فيها، وتصوّرها للعلاقات بين الجنسين. وقد طالب الكثير من قرّاء خبر الاعتذار بإقالة الرّجل من مهامّه، وبإخراجه من جامعة الأزهر، أي طالبوا بأن يكون صاحب الفتوى كبشا يقدّم فداء للإسلام ولمؤسّسة الأزهر، وفداء لمؤسّسة الإفتاء نفسها، بحيث يعود كلّ شيء على ما يرام، ويعود شيوخ الدّين الأجلاّء إلى الكلام في الحلال والحرام والمباح والمندوب والمكروه، ويعودون إلى القيام بدور الوساطة بين الخلف والسّلف، وتعود جماهير المسلمين إلى النّهل، وكدت أقول الرّضاع، من بنات أفكار رجال الدّين الرّاسخين في العلم.
إنّها فتوى عاديّة نموذجيّة من حيث آليّات إنتاجها، ولكنّها مع ذلك فتوى مجنونة هاذية، وليس في الأمر تناقض. لأنّ الجمع بين هذين المتناقضين يعني أنّ الجنون والهذيان موجودان في نظام الإفتاء ونظام الاجتهاد ذاته وفي المؤسّسات الدّينيّة نفسها. إنّها بضاعة رجال الدّين الإسلاميّ وقد ردّت إليهم، وهي ثمرة من ثمار هذه العلوم الدّينيّة البائسة التي كان أولى بها أن تدخل التّاريخ، ويهتمّ بها مؤرّخو العلوم أو مؤرّخو القوانين والحياة اليوميّة. إنّها إذ تخضع إلى نظام الاجتهاد والإفتاء تصل بهما إلى حدودهما القصوى التي تبيّن تناقضاتهما الصّارخة، وهو ما يظهر في التّحريم الذي "يتجاوز حدّه إلى أن ينقلب إلى ضدّه"، بحيث يصبح التّحريم مصدرا للمتعة، وهو ما يظهر من خلال نصّ الاعتذار الذي يقول الأمر ونقيضه: يقول صاحب الفتوى إنّ الكثير من الأئمّة يذهبون مذهبه، ويقول مع ذلك إنّ الحجّة النّقليّة المعتمدة لا تتعلّق إلاّ بحالة خاصّة لا يقاس عليها. فما الذي في سيرة الرّسول القوليّة والعمليّة يجوز القياس عليه وما الذي لا يجوز القياس عليه؟ إذا كان أمر الرّسول المرأة بإرضاع الرّجل الذي تبنّته في السّابق "قضيّة عين لم تأت في غيره" ورخصة لا يقاس عليها، فلم لا تكون كلّ الأحكام التي تتعلّق بعصر الرّسول أحكاما خاصّة لا يمكن اتّباعها في عصرنا؟ إذا أخطأ الأئمّة الذين اعتمدهم صاحب الفتوى في رضاع الكبير، فما الضّامن لعدم خطئهم في الأحكام الأخرى التي يريد الإسلاميّون مواصلة العمل بها في الأحوال الشّخصيّة وفي القانون الجنائيّ وغيرهما من ميادين الحياة؟
ما في هذه الفتوى من جنون وإفراط لا يعود إلى أنّها عمّمت حكما لا ينطبق إلاّ على حالة خاصّة. الخلل ليس في الفتوى وحدها، بل في رضاعة الكبير نفسها، وفي نظام الإفتاء نفسه، وفي الممارسة الفقهيّة والاجتهاديّة الحاليّة، وفي علاقة المسلمين الحاليّين بالأصل والذّاكرة والأرشيف. هذه الفتوى هي الإفراط الذي يبيّن اتّجاه الحركة على حدّ عبارة جورج باتاي، والكاريكاتور الذي يفضح العيوب بتضميخها، ليس إلاّ. إنّها فتوى تخضع إلى آلة الاجتهاد العمياء، ولكنّها تفضح هشاشة التّمييز بين العامّ والخاصّ، وهشاشة منطلقات الفقهاء ومطلقاتهم، وتعيد إلى السّطح اللاّمتقرّر الذي انبنت عليه المنظومة الفقهيّة، بردمه وإقصائه.
وبين إصدار الفتوى والاعتذار حدث هرج ومرج، وتفاوتت ردود الفعل بين الاستنكار والتّعجّب والضّحك، كما أثارت هذه الفتوى استيهامات جنسيّة عبّر عنها الكثير من المعلّقين ممّن منّوا أنفسهم برضاعة زميلاتهم في العمل، أو برضاعة نجمات الإغراء، وبعض هؤلاء لم يخف خيبة أمله بعد الاعتذار عن الفتوى، وعلى نحو لا يخلو من الفكاهة العابثة والمريرة في آن. فما الصّادم والمثير في هذه الفتوى، ولماذا أقامت الدّنيا وأقعدتها؟ هل يكمن المشكل في الفتوى وفي الهوس الدّينيّ أم الأمر أدهى وأمرّ؟
لا شكّ أنّ هذه الفتوى كانت فضيحة، فهي فتوى هذيانيّة مجنونة: كيف يمكن للذّات البشريّة أن تعود القهقرى إلى زمن ما قبل الفطام لكي تعيش فطاما جديدا؟ كيف يمكن تجنّب الشّهوة التي قد تثيرها الخلوة بحلّ من جنسها، أي بحلّ يزيد من إثارة الشّهوة والاستيهامات في مجتمعات ابتعدت رغم كلّ شيء عن المحرّم العتيق المرتبط بالرّضاع؟ كيف يمكن تصوّر مشاهد رضاعة الرّجال من زميلاتهنّ؟ وهل يحدّ من لامعقول الفتوى قول بعض المتفقّهين بضرورة احتلاب ثدي المرأة بدل التقام الرّجل إيّاه بصورة مباشرة؟ كيف يمكن لنظام التّحريم أن يصل في التّحريم حدّا يبيح فيه ما يريد تحريمه؟ كيف يمكن للمرأة العاملة أن تختزل في حيوان ثدييّ حلوب؟ ثمّ إذا كان القصد من الرّضاع تحريم المرأة عملا بمبدإ "يحرم بالرّضاع ما يحرم بالنّسب"، فلماذا يبيح المفتي الزّواج بين "الرّاضع والمرضوعة"؟ ألا تخلق هذه الفتوى في صورة تطبيقها وضعيّة ملتبسة باعثة على الجنون أو الانحراف؟
ألا تدلّ هذه الفتوى على أنّنا لم نفطم بعد في علاقتنا بالماضي وبالأصل؟ أليست مجازا معبّرا عن علاقة مسلمي اليوم بالأصل؟
لنتناول الفتوى من النّاحية الشّكليّة أوّلا، وبقطع النّظر عن قضايا الإعلام والإثارة والبيزنس الدّينيّ، فهي مسائل لست مؤهّلة للخوض فيها. صاحب الفتوى ليس مبدئيّا متطفّلا على الإفتاء، بل هو شيخ من شيوخ إحدى المؤسّسات الدّينيّة الكبرى في العالم الإسلاميّ، وهو مختصّ في الحديث ويجمع بين الوظيفتين الدّينيّة والوظيفة الأكاديميّة بما أنّه "دكتور"، ورئيس قسم. وفتواه ككلّ الفتاوى تقدّم حلاّ من الماضي لوضعيّة جديدة، والوضعيّة الجديدة التي يبدو أنّ الإسلاميّين ورجال الدّين الإسلاميّ لا يحتملونها ويعتبرونها مشكلا في حدّ ذاتها، هي الاختلاط بين الرّجال والنّساء في أماكن العمل.
هناك قوانين مدنيّة ومبادئ أخلاقيّة حديثة تقنّن العلاقات بين الجنسين في أماكن العمل، منها منع التّحرّش الجنسيّ، ومنها امتناع العقلاء من الرّجال من استعمال نفوذهم لاستغلال العاملات الضّعيفات الفقيرات أو لاستغلال من دونهم في المراتبيّة الإداريّة، ومنها الفصل بين الحياة المهنيّة والحياة الشّخصيّة. ولكنّ الفتوى تقدّم نفسها بديلا من الماضي عن الحلول التي ارتضتها الكثير من المجتمعات الحديثة. تُعرض هذه الفتوى من حيث هي فتوى عن المبادئ المدنيّة وعن آليّات مناهضة العنف ضدّ النّساء لتبحث في الماضي عن الحلّ المفترض للإشكال المفترض. وقد مارس صاحب الفتوى عمليّة الاجتهاد بالعودة إلى مصدر من مصادر التّشريع في الإسلام هو الحديث النّبويّ. بل إنّه عاد إلى مرويّات تنصّ عليها أمّهات الكتب، وأخذ بأحد المذهبين المتّصلين بمسألة تعدّ بابا تقليديّا من أبواب كتب الفقه والحديث هي مسألة "رضاع الكبير". فمن القدامى من يشترط وقوع الرّضاع قبل الفطام لتحليل الخلوة وتحريم النّكاح، وهناك من يقول بجواز رضاع الكبير، استنادا إلى حديث متواتر وارد في صحيح مسلم بروايات مختلفة: "عن عائشة رضي الله عنها أن سالماً مولى أبي حذيفة كان مع أبي حذيفة وأهله في بيته ، فأتت ابنة سهيل النبي صلى الله عليه و سلّم فقالت : إنّ سالماً قد بلغ ما بلغ الرجال ، وعَقَل ما عقلوا ، و إنّه يدخل علينا و إني أظنّ أن في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً ، فقال لها النبي صلى الله عليه و سلّم : ’أرضعيه تحرمي عليه، و يذهب الذي في نفس أبي حذيفة’ فرجَعَت فقالت : إني قد أرضعته فذهب الذي في نفس أبي حذيفة."
وما لم يقله صاحب الفتوى والمعترضون عليه هو وجود آية مفترضة تؤكّد جواز رضاع الكبير، ولكنّ هذه الآية، إضافة إلى آية رجم الزّاني قد أكلتها شاة دخلت تحت سرير الرّسول حسب الحديث الذي ترويه عائشة : " عن عائشة ، قالت : لقد نزلت آية الرجم ورضاعة الكبير عشرا ولقد كان في صحيفة تحت سريري فلما مات رسول الله صلى الله عليه وآله وتشاغلنا بموته ، دخل داجن فأكله" (صحيح ابن ماجة، الحديث رقم 1580، وقد ذكره ابن حزم في "المحكم" ، وقال عنه إنّه حديث صحيح).
وإضافة إلى ذلك حاول هذا المفتي أن يعمل بشعار الجمع "بين الأصالة والمعاصرة" في شكل تطبيق الفتوى، بأن ابتدع شرط التّدوين، وهو ممّا تفترضه طبيعة العقود في الدّولة الحديثة التي ترتاب من الشّفاهة: فقد صرّح لـ"العربية.نت" أن "إرضاع الكبير يبيح الخلوة ولا يحرم الزّواج، وهو يكون خمس رضعات، وأن المرأة في العمل يمكنها أن تخلع الحجاب أو تكشف شعرها أمام من أرضعته،مطالباً توثيق هذا الإرضاع كتابة ورسميًا ويكتب في العقد أن فلانة أرضعتفلانًا."
ثمّ إنّ هذه الفتوى في انسجام تامّ مع مقرّرات الفقه الإسلاميّ ومقرّرات الفكر الأصوليّ الحديث في شأن العلاقات بين النّساء والرّجال وفي نقطة معيّنة هي افتراض نقص في المناعة لدى الرّجال والنّساء بحيث يكون الشّيطان ثالث الاثنين دائما وأبدا، وتكون المرأة مصدر إنتاج للفتنة، ويكون الرّجل ضحيّة سلبيّة للفتنة. وما ينتج عن هذا المفترض هو إيجاد الحاجز المادّيّ الواقعيّ بين الجنسين، لافتراض عدم كفاية الحاجز النّفسيّ الأخلاقيّ. فهذه الفتوى تكمّل كوكبة من الموانع المتعلّقة بجسد المرأة، هي الحجاب وعدم المصافحة وغضّ النّظر ومنع الخلوة. إنّها تأتي بحلّ من نفس القبيل، ولكنّه حلّ راديكاليّ يجعل المرأة بمثابة الأمّ المحرّمة بالنّسب، وإن بصفة ظرفيّة بما أنّ صاحب الفتوى ترك الباب مفتوحا أمام زوال المحرّم. الحجاب وبقيّة الموانع تحدث حاجزا مادّيّا وفتوى الرّضاع تحاول إنتاج حاجز رمزيّ يمرّ عبر الاتّصال الجسديّ المتمثّل في الرّضاع المتكرّر.
فهذه الفتوى "نموذجيّة" و"عاديّة" من حيث مرجعيّتها وآليّة الاستدلال فيها، وتصوّرها للعلاقات بين الجنسين. وقد طالب الكثير من قرّاء خبر الاعتذار بإقالة الرّجل من مهامّه، وبإخراجه من جامعة الأزهر، أي طالبوا بأن يكون صاحب الفتوى كبشا يقدّم فداء للإسلام ولمؤسّسة الأزهر، وفداء لمؤسّسة الإفتاء نفسها، بحيث يعود كلّ شيء على ما يرام، ويعود شيوخ الدّين الأجلاّء إلى الكلام في الحلال والحرام والمباح والمندوب والمكروه، ويعودون إلى القيام بدور الوساطة بين الخلف والسّلف، وتعود جماهير المسلمين إلى النّهل، وكدت أقول الرّضاع، من بنات أفكار رجال الدّين الرّاسخين في العلم.
إنّها فتوى عاديّة نموذجيّة من حيث آليّات إنتاجها، ولكنّها مع ذلك فتوى مجنونة هاذية، وليس في الأمر تناقض. لأنّ الجمع بين هذين المتناقضين يعني أنّ الجنون والهذيان موجودان في نظام الإفتاء ونظام الاجتهاد ذاته وفي المؤسّسات الدّينيّة نفسها. إنّها بضاعة رجال الدّين الإسلاميّ وقد ردّت إليهم، وهي ثمرة من ثمار هذه العلوم الدّينيّة البائسة التي كان أولى بها أن تدخل التّاريخ، ويهتمّ بها مؤرّخو العلوم أو مؤرّخو القوانين والحياة اليوميّة. إنّها إذ تخضع إلى نظام الاجتهاد والإفتاء تصل بهما إلى حدودهما القصوى التي تبيّن تناقضاتهما الصّارخة، وهو ما يظهر في التّحريم الذي "يتجاوز حدّه إلى أن ينقلب إلى ضدّه"، بحيث يصبح التّحريم مصدرا للمتعة، وهو ما يظهر من خلال نصّ الاعتذار الذي يقول الأمر ونقيضه: يقول صاحب الفتوى إنّ الكثير من الأئمّة يذهبون مذهبه، ويقول مع ذلك إنّ الحجّة النّقليّة المعتمدة لا تتعلّق إلاّ بحالة خاصّة لا يقاس عليها. فما الذي في سيرة الرّسول القوليّة والعمليّة يجوز القياس عليه وما الذي لا يجوز القياس عليه؟ إذا كان أمر الرّسول المرأة بإرضاع الرّجل الذي تبنّته في السّابق "قضيّة عين لم تأت في غيره" ورخصة لا يقاس عليها، فلم لا تكون كلّ الأحكام التي تتعلّق بعصر الرّسول أحكاما خاصّة لا يمكن اتّباعها في عصرنا؟ إذا أخطأ الأئمّة الذين اعتمدهم صاحب الفتوى في رضاع الكبير، فما الضّامن لعدم خطئهم في الأحكام الأخرى التي يريد الإسلاميّون مواصلة العمل بها في الأحوال الشّخصيّة وفي القانون الجنائيّ وغيرهما من ميادين الحياة؟
ما في هذه الفتوى من جنون وإفراط لا يعود إلى أنّها عمّمت حكما لا ينطبق إلاّ على حالة خاصّة. الخلل ليس في الفتوى وحدها، بل في رضاعة الكبير نفسها، وفي نظام الإفتاء نفسه، وفي الممارسة الفقهيّة والاجتهاديّة الحاليّة، وفي علاقة المسلمين الحاليّين بالأصل والذّاكرة والأرشيف. هذه الفتوى هي الإفراط الذي يبيّن اتّجاه الحركة على حدّ عبارة جورج باتاي، والكاريكاتور الذي يفضح العيوب بتضميخها، ليس إلاّ. إنّها فتوى تخضع إلى آلة الاجتهاد العمياء، ولكنّها تفضح هشاشة التّمييز بين العامّ والخاصّ، وهشاشة منطلقات الفقهاء ومطلقاتهم، وتعيد إلى السّطح اللاّمتقرّر الذي انبنت عليه المنظومة الفقهيّة، بردمه وإقصائه.